النويري
79
نهاية الأرب في فنون الأدب
مذهبك ، ولو رأوك ما رضوك إلَّا إلى شيوخهم ، فضلا عن صبيانهم ؛ ولسنا نخلَّيك للتعليم بل نعدّك لما هو أعظم منه . فلما عزم على المسير معهم جمعوا له دنانير وأتوه بها ، فامتنع من قبولها ، وقال لم يكن منى ما يوجب ذلك ؛ فعظم في أنفسهم ، وزادت هيبته في صدورهم . وخرجوا به من مصر ، وساروا حتى إذا كان بسوجمار « 1 » من أرض سماتة ، تلقاهم رجال من الشيعة ، فأخبروهم بخبر الشّيعى ، ونظروا إلى تعظيم الكتاميين له ؛ فرغب كلّ واحد منهم أن يكون نزوله عنده ، حتى رموا عليه السهام ، فخرج سهم أبى عبد اللَّه الأندلسىّ فنزل عنده ، ونزل كل واحد على صاحبه . وأصاب أبو عبد اللَّه عندهم من علم الشيعة أصلا قويّا ، فزاد في الكلام معهم ، فأجلَّوه . ثم سار القوم فدخلوا حد كتامة يوم الخميس النّصف من شهر ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين ، ومعهم أبو عبد اللَّه الأندلسي وأبو القاسم الورفجومى ، فأراد كلّ واحد من الكتاميين نزول الشيعىّ عنده ، وتنازعوا في ذلك حتى خيّروه في النزول ، فقال أىّ موضع عندكم [ 26 ] فجّ الأخيار ؟ فقالوا : عند بنى سكتان فقال : فإيّاه نقصد ، ثم نأتى كلّ قوم منكم في موضعهم ، ونزورهم في بيوتهم ، ولا نجعل لأحد منكم حظَّا من نفسي دون أحد إن شاء اللَّه تعالى ، فأرضاهم كلَّهم بذلك ، وسار كلّ قوم إلى جهتهم ، وسار الشّيعى مع موسى بن حريث وأبى القاسم الورفجومى وأبى عبد اللَّه الأندلسي إلى
--> « 1 » « بشرب حمار » في الأصل ، والتي ذكرت من قبل على أنها « سوق حمار » ، والتصحيح من افتتاح الدعوة ص 40 .